تفسير ابن كثر - سورة هود - الآية 119

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Google+ Pinterest Reddit StumbleUpon Linkedin Tumblr Google Bookmarks Email
إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَ ۚ وَلِذَٰلِكَ خَلَقَهُمْ ۗ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (119) (هود) mp3
وَقَوْله " إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّك " أَيْ إِلَّا الْمَرْحُومِينَ مِنْ أَتْبَاع الرُّسُل الَّذِينَ تَمَسَّكُوا بِمَا أُمِرُوا بِهِ مِنْ الَّذِينَ أَخْبَرَتْهُمْ بِهِ رُسُل اللَّه إِلَيْهِمْ وَلَمْ يَزَلْ ذَلِكَ دَأْبَهُمْ حَتَّى كَانَ النَّبِيّ وَخَاتَم الرُّسُل وَالْأَنْبِيَاء فَاتَّبَعُوهُ وَصَدَّقُوهُ وَوَازَرُوهُ فَفَازُوا بِسَعَادَةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَة لِأَنَّهُمْ الْفِرْقَة النَّاجِيَة كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيث الْمَرْوِيّ فِي الْمَسَانِيد وَالسُّنَن مِنْ طُرُق يَشُدُّ بَعْضُهَا بَعْضًا " إِنَّ الْيَهُودَ اِفْتَرَقَتْ عَلَى إِحْدَى وَسَبْعِينَ فِرْقَة وَأَنَّ النَّصَارَى اِفْتَرَقَتْ عَلَى ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ فِرْقَة وَسَتَفْتَرِقُ هَذِهِ الْأُمَّة عَلَى ثَلَاث وَسَبْعِينَ فِرْقَة كُلّهَا فِي النَّار إِلَّا فِرْقَة وَاحِدَة " قَالُوا : وَمَنْ هُمْ يَا رَسُول اللَّهِ ؟ قَالَ " مَا أَنَا عَلَيْهِ وَأَصْحَابِي " رَوَاهُ الْحَاكِم فِي مُسْتَدْرَكه بِهَذِهِ الزِّيَادَة وَقَالَ عَطَاء " وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ " يَعْنِي الْيَهُود وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوس" إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّك " يَعْنِي الْحَنِيفِيَّة وَقَالَ قَتَادَة : أَهْل رَحْمَة اللَّه أَهْل الْجَمَاعَة وَإِنْ تَفَرَّقَتْ دِيَارهمْ وَأَبْدَانهمْ وَأَهْل مَعْصِيَته أَهْل فُرْقَة وَإِنْ اِجْتَمَعَتْ دِيَارهمْ وَأَبْدَانهمْ وَقَوْله " وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ " قَالَ الْحَسَن الْبَصْرِيّ فِي رِوَايَة عَنْهُ وَلِلِاخْتِلَافِ خَلَقَهُمْ وَقَالَ مَكِّيّ بْن أَبِي طَلْحَة عَنْ اِبْن عَبَّاس : خَلَقَهُمْ فَرِيقَيْنِ كَقَوْلِهِ " فَمِنْهُمْ شَقِيّ وَسَعِيد وَقِيلَ لِلرَّحْمَةِ خَلَقَهُمْ قَالَ اِبْن وَهْب : أَخْبَرَنِي مُسْلِم بْن خَالِد عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح عَنْ طَاوُس أَنَّ رَجُلَيْنِ اِخْتَصَمَا إِلَيْهِ فَأَكْثَرَا فَقَالَ طَاوُس اِخْتَلَفْتُمَا وَأَكْثَرْتُمَا فَقَالَ أَحَد الرَّجُلَيْنِ لِذَلِكَ خَلَقَنَا فَقَالَ طَاوُس كَذَبْت فَقَالَ أَلَيْسَ اللَّه يَقُول " وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبّك وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ " قَالَ لَمْ يَخْلُقهُمْ لِيَخْتَلِفُوا وَلَكِنْ خَلَقَهُمْ لِلْجَمَاعَةِ وَالرَّحْمَة كَمَا قَالَ الْحَكَم بْن أَبَان عَنْ عِكْرِمَة عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : لِلرَّحْمَةِ خَلَقَهُمْ وَلَمْ يَخْلُقْهُمْ لِلْعَذَابِ , وَكَذَا قَالَ مُجَاهِد وَالضَّحَّاك وَقَتَادَة وَيَرْجِع مَعْنَى هَذَا الْقَوْل إِلَى قَوْله تَعَالَى " وَمَا خَلَقْت الْجِنّ وَالْإِنْس إِلَّا لِيَعْبُدُونِ " وَقِيلَ بَلْ الْمُرَاد وَلِلرَّحْمَةِ وَالِاخْتِلَاف خَلَقَهُمْ كَمَا قَالَ الْحَسَن الْبَصْرِيّ فِي رِوَايَة عَنْهُ فِي قَوْله " وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبّك وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ " قَالَ النَّاس مُخْتَلِفُونَ عَلَى أَدْيَان شَتَّى " إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّك " فَمَنْ رَحِمَ رَبّك غَيْر مُخْتَلِف فَقِيلَ لَهُ لِذَلِكَ خَلَقَهُمْ قَالَ خَلَقَ هَؤُلَاءِ لِجَنَّتِهِ وَخَلَقَ هَؤُلَاءِ لِنَارِهِ وَخَلَقَ هَؤُلَاءِ لِعَذَابِهِ , وَكَذَا قَالَ عَطَاء بْن أَبِي رَبَاح وَالْأَعْمَش وَقَالَ اِبْن وَهْب سَأَلْت مَالِكًا عَنْ قَوْله تَعَالَى " وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبّك وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ " قَالَ فَرِيق فِي الْجَنَّة وَفَرِيق فِي السَّعِير , وَقَدْ اِخْتَارَ هَذَا الْقَوْل اِبْن جَرِير وَأَبُو عُبَيْد الْفَرَّاء وَعَنْ مَالِك فِيمَا رُوِّينَا عَنْهُ مِنْ التَّفْسِير " وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ " قَالَ لِلرّحْمَةِ وَقَالَ قَوْم لِلِاخْتِلَافِ وَقَوْله " وَتَمَّتْ كَلِمَة رَبّك لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّم مِنْ الْجِنَّة وَالنَّاس أَجْمَعِينَ " يُخْبِر تَعَالَى أَنَّهُ قَدْ سَبَقَ فِي قَضَائِهِ وَقَدَره لِعِلْمِهِ التَّامّ وَحِكْمَته النَّافِذَة أَنَّ مِمَّنْ خَلَقَهُ مَنْ يَسْتَحِقّ الْجَنَّة وَمِنْهُمْ مِنْ يَسْتَحِقّ النَّار وَأَنَّهُ لَا بُدّ أَنْ يَمْلَأ جَهَنَّم مِنْ هَذَيْنَ الثَّقَلَيْنِ الْجِنّ وَالْإِنْس وَلَهُ الْحُجَّة الْبَالِغَة وَالْحِكْمَة التَّامَّة. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلِّي اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " اِخْتَصَمَتْ الْجَنَّة وَالنَّار فَقَالَتْ الْجَنَّة مَا لِي لَا يَدْخُلنِي إِلَّا ضُعَفَاء النَّاس وَسَقَطهمْ وَقَالَتْ النَّار أُوثِرْت بِالْمُتَكَبِّرِينَ وَالْمُتَجَبِّرِينَ فَقَالَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ لِلْجَنَّةِ : أَنْتِ رَحْمَتِي أَرْحَم بِك مَنْ أَشَاء وَقَالَ لِلنَّارِ أَنْتِ عَذَابِي أَنْتَقِم بِك مِمَّنْ أَشَاء وَلِكُلِّ وَاحِدَة مِنْكُمَا مِلْؤُهَا فَأَمَّا الْجَنَّة فَلَا يَزَال فِيهَا فَضْل حَتَّى يُنْشِئ اللَّه لَهَا خَلْقًا يَسْكُن فَضْل الْجَنَّة وَأَمَّا النَّار فَلَا تَزَال تَقُول هَلْ مِنْ مَزِيد حَتَّى يَضَع عَلَيْهَا رَبّ الْعِزَّة قَدَمَهُ فَتَقُول قَطْ قَطْ وَعِزَّتك " .
none
Facebook Twitter Google+ Pinterest Reddit StumbleUpon Linkedin Tumblr Google Bookmarks Email

كتب عشوائيه

  • في رحاب الإسلام

    في رحاب الإسلام: قال المُصنِّف - رحمه الله -: «فهذه مجموعةٌ من الموضوعات الإسلامية تتعلَّق بالدعوة إلى إصلاحِ الفردِ المُسلمِ، رأيتُ أن أُقدِّمها لإخواني المُسلمين؛ رجاء تحقيقِ الهدفين التاليين: أولاً: رجاء أن ينتفِع بها المُسلِمون .. ثانيًا: رجاء أن ينفعني الله تعالى بذلك يوم لا ينفع مالٌ ولا بنون إلا من أتى اللهَ بقلبٍ سليمٍ».

    الناشر: موقع الدكتور محمد محيسن http://www.mehesen.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/384413

    التحميل:

  • الخصائص المحمدية والمعجزات النبوية في ضوء الكتاب والسنة

    الخصائص المحمدية والمعجزات النبوية في ضوء الكتاب والسنة: قال المُصنِّف - رحمه الله -: «فقد أحببتُ أن أُصنِّفَ كتابًا أُضمِّنُه بعضَ الخصائصِ المُحمديَّةِ، والمُعجِزاتِ النبوية، فصنَّفتُ كتابي هذا، وجعلتُه تحت عنوان: «الخصائص المحمدية والمعجزات النبوية في ضوء الكتاب والسنة».

    الناشر: موقع الدكتور محمد محيسن http://www.mehesen.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/384386

    التحميل:

  • نقل معاني القرآن الكريم إلى لغة أخرى أترجمة أم تفسير؟

    نقل معاني القرآن الكريم إلى لغة أخرى أترجمة أم تفسير؟: رسالةٌ مختصرة قدَّم فيها المصنف - حفظه الله - بمقدمةٍ ذكر فيها أن القرآن الكريم نزل باللسان العربي، ثم بيَّن معنى الترجمة وأقسامها، ورجَّح بينها، ثم ختمَّ البحث بنتائج وتوصيات البحث.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/364182

    التحميل:

  • معالم في طريق طلب العلم

    معالم في طريق طلب العلم : رسالة قيمة تحتوي على بعض الآداب التي ينبغي أن يتحلى بها طالب العلم، مع بعض ما يستعين به على التحصيل ويتحلى به في حياته، وبعض السبل والوسائل التي تمكنه من نيل المطلوب، وما يتجنبه من الأخلاق الدنيئة والسمات الرذيلة، وغير ذلك.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/307785

    التحميل:

  • نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار

    نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار : كتاب منتقى الأخبار للإمام ابن تيمية قد أحاط بأكثر أحاديث الأحكام، فقام الإمام الشوكاني بشرح هذا الكتاب، وقد اشتمل شرحه على مزايا قل أن توجد في غيره من الكتب المؤلفة في بابه، منها أنه تعرض لتخريج الحديث وبيان طرقه وألفاظه وما قيل في حكمه، ومنها كشفه عن معاني الألفاظ وأقوال علماء اللغة فيها مع إيضاح المعنى الإصطلاحي الشرعي، ومنها استنباط الأحكام الفقهية من الأحاديث وكيفية دلالتها عليها وأقوال مذاهب علماء الأمصار وحجة كل مذهب مع الترجيح، ومنها استنباط القواعد الأصولية وتطبيق الأحكام الجزئية الفرعية عليها مع ذكر أقوال الأصوليين؛ وفي هذه الصفحة نسخة إلكترونية لكن ينقصها شرح كتاب الصيام، وتتميز بسهولة البحث والتصفح.

    الناشر: موقع أم الكتاب http://www.omelketab.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/140690

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة